الثلاثاء، 24 مارس 2015
الثلاثاء, مارس 24, 2015

إشراقات شنقيطية الحلقة الأولى

محمد فاضل ولد أحمدو

يفتقر دارس التاريخ إلى معلومات دقيقة وواضحة ومتسلسلة عن المجال الذي يعرف اليوم بموريتانيا([1]) وخاصة ما قبل الفتح الإسلامي ، ورغم ذلك فإن المهتمين حديثا بكتابة تاريخ المنطقة يجزمون أنها كانت آهلة بالسكان منذ العصور الحجرية الأولى ، فقد كشفت الدراسات المسحية في مناطق عديدة من الصحراء الموريتانية عن آثار جيولوجية تعود إلى العصر الحجري القديم ([2]) كما يؤكد بعضهم ( على أنها عرفت في العصر الحجري الحديث حضارات متعددة وتجمعات سكانية واسعة الانتشار أجهز عليها الجفاف القاصم الذي اجتاح المنطقة في فجر التاريخ وحولها إلى صحراء فبقيت كذلك إلى اليوم([3]))

من أقدم الشعوب التي سكنت أرض الرمال وعمرتها على مر العصور قوم " لوتوفاج " وأشارت الكتابات اللاتينية القديمة إلى ( أنهم هاجروا من شمال أفريقيا واستقروا في منطقة لا توجد فيها مياه فصاروا يعوضون عنها بجذور الأشجار التي كانوا ينتزعونها ويمتصون ما تحتوي عليه من الماء([4]) ) كما أشارت هذه الكتابات إلى وجود شعب آخر أطلقوا عليه اسم " الفاروسي" كان يجوب الصحراء مستعينا بخيول تجر عربات، ويعتقد أن هذا الشعب هو الذي ترك صورا لعربات وخيول على بعض الجبال الموريتانية في شمال البلاد([5])وفي نهاية القرن الأول الميلادي سكنت أرض الملثمين مجموعات بشرية متعددة من أهمها الجبوتول ([6])والنازامنيون([7]) كما تؤكد بعض الاكتشافات الأثرية الحديثة أن المناطق الصحراوية كان يسكنها بعض الزنوج في عصور ما قبل التاريخ وقد أقام هؤلاء الزنوج مع فجر التاريخ ممالك عديدة فيما كان يعرف بالسودان الغربي والذي كان يشمل بعض الأراضي الموريتانية ، ومن هذه الممالك مملكة "ديارا" ثم مملكة "غانا" التي كانت عاصمتها "كومبي صالح" لكن أيا من هذه الممالك لم تستطع تكوين دولة مركزية موحدة راسخة الأركان يخضع لها سكان المنطقة بأكملهم ولعل من أسباب ذلك عدم تجانس المجموعات السكانية ثم ندرة المصادر المائية التي طبعت حياة أهل المنطقة على مر العصور والأزمنة ، بالإضافة إلى نمط الترحال الذي ظل ديدن سكان أهل الصحراء بحثا عن الكلأ والمرعى في سفوح الجبال وبطون الأودية حيث كان ميدان التنمية الحيوانية المصدر الوحيد لأرزاقهم في بعض العصور ثم دخلت الزراعة بعد ذلك فاحتلت المرتبة الثانية ثم ازدهرت التجارة في عصور لاحقة.

وفي العصور الوسطى زحفت قبائل صنهاجة "الملثمين"([8]) من الشمال لبسط نفوذها على معظم البلاد " الموريتانية " وكانت صنهاجة من أقوى قبائل الصحراء وأشدها وأمنعها ( فاشتهرت بقوة شكيمتها وكثرة رجالها الذين ملئوا الشمال الإفريقي فسكنوا جباله وسهوله([9])) وتعد قبائل صنهاجة بالعشرات([10]) لكن أشهرها وأقواها شوكة هم : اكدالة "بكاف منعقدة" ولمتونة ومسوفة ، فتقاسمت هذه القبائل الثلاث النفوذ على منطقة أرض " التكرور " فامتدت اكدالة على طول شواطئ المحيط الأطلسي حتى الضفة اليمنى لنهر السنغال([11]) واستقرت " لمتونه " في الوسط وانتشرت "مسوفة" في الشرق والجنوب الشرقي([12]) .

قبل نزوح "الملثمين" كانت في المنطقة قبائل زنجية وقبائل " بافور " ذات الأصول البربرية على أحد الأقوال([13])( فانحسرت القبائل الزنجية إلى الجنوب عبر القرون مع توسع المنطقة الصحراوية من البلاد وتلاشت قبائل " بافور " في الحروب والتزاوج والانصهار في القبائل الصنهاجية([14])) وقد ظلت بلاد الملثمين مسرحا للنزاعات والشد والجذب والكر والفر بين السكان الأصليين "الزنوج" الوثنيين وصنهاجة- الوثنيين أيضا- النازحين من الشمال - من جهة - وبين قبائل صنهاجة فيما بينها- من جهة أخرى- إلى أن جاءت بشائر الفتح الإسلامي تحمل راية الوحدة وترفع شعار الأخوة وتبين معيار الفضل ، وتنادي بالقسط بين الناس

=================================
الهوامش
=================================
[1] - المختار بن حامد: حياة موريتانيا - التاريخ السياسي، ط 1- دار المغرب الإسلامي، ص 15.
[2] - الناني بن الحسين ومحمد الأمين بن الشيخ عبد الله: موريتانيا الثقافة والدولة والمجتمع، ط1- مركز دراسات الوحدة العربية 1995، ص 41
= المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: الجمهورية الإسلامية الموريتانية ( دراسة مسحية شاملة )، ط1 – منشورات المنظمة 1978م، ص 6
= خديجة بنت الحسن: تحقيق منظومة بن احجاب، ط 1- مؤسسة بيت الحكمة- تونس 1991م ، ص 12.
[3] - أحمد بن الحسن: الشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر ط1- جمعية الدعوة الإسلامية- ليبيا 1995م، ص 5.
[4] - الناني بن الحسين...:موريتانيا الثقافة، ص 42 (م س )
[5] - المرجع السابق ، ص 44
= الجمهورية الإسلامية الموريتانية ( دراسة مسحية )، ص 6 ( م س )
= خديجة بنت الحسن: تحقيق منظومة بن احجاب ص (12 م س )
= إسماعيل العربي: الصحراء الكبرى وشواطئها / المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر، ط 1، ( بدون تاريخ )، ص167.
[6] - بول مارتي: القبائل البيضانية في الحوض والساحل الموريتاني ( تعريب محمد محمود ودادي) ط1، ص22 بدون تاريخ ولا تحديد دار نشر.
[7] - عبدا لله ولدبن احميده: الشعر العربي الفصيح في بلا د شنقيط ( مبحث في النشأة والتطور )، ط1- دار النصر/ مصر2001 م، ص 19.
[8] - اشتهرت القبائل الصنهاجية"بالملثمين" لاتخاذ رجالهم اللثام وقد اختلف الكتاب في سبب اتخاذهم له وأوردوا في ذلك قصصا وحكايات مختلفة، لكننا نعتقد أن" لهيب"الصحراء هو الذي أجبرهم علي التوقي باللثام ثم صار بعد ذلك عادة توارثت عبر الأجيال.
[9] - ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ط 4 / بيت الأفكار الدولية – مصر- 2000م، ج9، ص 618
= علي محمد الصلابي: تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي، ط2 - دار المعرفة / بيروت 2005، ص 15.
[10] - سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي إلى قيام دولة المرابطين، ط1 - منشأة المعارف – مصر 1995م ص 512.
[11] - هذا النهر هو الفاصل بين موريتانيا والسنغال وكان يسمي نهر صنهاجة ثم نهر سنغانة بتحريف من السودانيين ثم أطلق عليه الأوربيون نهر السينغال الاسم الحالي له ابتداء من القرن ( 16 ).
[12] - ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر /ط مؤسسة التاريخ العربي -بيروت 1971م ج 6 ص 181
=المختار بن حامد: حياة موريتانيا ( التاريخ السياسي ) ص 19 ( م س )
= الخليل النحوي: بلاد شنقيط المنارة والرباط.... ص 28(م س )
=عبد الله الحسن بن حميدة: الشعر العربي الفصيح في بلاد شنقيط (مبحث في النشأة والأصول)ص 220(م س).
[13] - الخليل النحوي: المنارة والرباط، ص28 ( م س )
[14] - المرجع السابق، نفس الصفحة.

mushahed.net
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق